الشيخ الطبرسي
19
تفسير مجمع البيان
وإليه تقلبون . وكأنهم قالوا إذا صرفنا إلى حكم الله فررنا ، فقال : ( وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ) أي : ولستم بفائتين عن الله في الدنيا ، ولا في الآخرة ، فاحذروا مخالفته . ومتى قيل : كيف وصفهم بذلك ، وليسوا من أهل السماء ؟ فالجواب عنه من وجهين أحدهما : إن المعنى لستم بمعجزين فرارا في الأرض ، ولا في السماء ، كقولك : ما يفوتني فلان ها هنا ولا بالبصرة ، يعني ولا بالبصرة لو صار إليها ، عن قطرب ، وهو معنى قول مقاتل . والآخر : إن المعنى ولا من في السماء بمعجزين ، فحذف من لدلالة الكلام عليه ، كما قال حسان : أمن يهجو رسول الله منكم ، ويمدحه ، وينصره ، سواء فكأنه قال : ومن يمدحه وينصره سواء أم لا يتساوون ، عن الفراء . وهذا ضعيف عند البصريين . ( وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) ينصركم ، ويدفع عذاب الله عنكم . فلا تغتروا بأن الأصنام تشفع لكم . وقيل : إن الولي الذي يتولى المعونة بنفسه ، والنصير يتولى النصرة تارة بنفسه ، وتارة بأن يأمر غيره به . ( والذين كفروا بآيات الله ) أي : جحدوا بالقرآن وبأدلة الله ( ولقائه ) أي : وجحدوا بالبعث بعد الموت ( أولئك يئسوا من رحمتي ) أخبر أنه سبحانه آيسهم من رحمته وجنته ، أو يكون معناه يجب أن ييأسوا من رحمتي . ( وأولئك لهم عذاب أليم ) أي : مؤلم . وفي هذا دلالة على أن المؤمن بالله واليوم الآخر ، لا ييأس من رحمة الله . ثم عاد سبحانه إلى قصة إبراهيم فقال : ( فما كان جواب قومه ) يعني حين دعاهم إلى الله تعالى ، ونهاهم عن عبادة الأصنام ( إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ) وفي هذا تسفيه لهم إذ قالوا حين انقطعت حجتهم لا تحاجوه ، ولكن اقتلوه أو حرقوه ، ليتخلصوا منه . ( فأنجاه الله من النار ) وها هنا حذف تقديره : ثم اتفقوا على إحراقه ، فأججوا نارا فألقوه فيها ، فأنجاه الله منها . ( إن في ذلك لآيات ) أي : علامات واضحات ، وحجج بينات ( لقوم يؤمنون ) بصحة ما أخبرناه به ، وبتوحيد الله ، وكمال قدرته . ( وقال ) إبراهيم لقومه ( إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم ) أي : لتتوادوا بها ( في الحياة الدنيا ) وقد تقدم بيانه في الحجة ( ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ) أي : يتبرأ القادة من